أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
322
شرح مقامات الحريري
محمد بن الجهم : وددت أنّ عشرة من الفقهاء ، وعشرة من الشعراء ، وعشرة من الخطباء ، وعشرة من الأدباء ، تواطئوا على ذمي حتى ينتشر ذلك عنهم في الآفاق ، فلا يمتدّ إلى أمل آمل ، ولا ينبسط نحوي رجاء لراج . وكان يقول : من وهب في عمله فهو مخدوع ، ومن وهب بعد العزل فهو أحمق ، ومن وهب في جوائز سلطانه ، أو عمل لم يتعب فيه فهو مخذول ، ومن وهب من كسبه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه ، المختوم على سمعه وبصره . وقال : منع الجميع ، أرضى للجميع ، وهذا كقول الأصمعي ! لو قسمت في الناس ألف ألف لكان أكثر للائمى من لو أخذتها منهم ، قالوا : ولم يرد البخل ؛ ولكن إذا تعذر عليه أن يعمّ فلا يخصّ . وقال آخر : قول « لا » يدفع البلاء وقوله « نعم » يزيل النّعم . دعبل كنّا يوما عند سهل بن هارون وأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع ، فدعا بغدائه ، فإذا بصحفة فيها مرق ولحم ديك ، قد هرم ، لا تحزّ فيه سكين ولا يؤثر فيه ضرس ، فأخذ قطعة من خبز فقلع بها جميع المرق ، وفقد الرأس فبقي مطرقا ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال : أين الرأس ؟ قال : رميت به . قال : ولم ؟ قال : لم أظنك تأكله ، قال : ولم ظننت ذلك ؟ فو اللّه إنّي لأمقت من يرمي برجله فضلا عن رأسه ، والرأس رئيس الأعضاء وفيه الحواس الخمس ، ومنه يصيح الديك ، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل في الصفاء ، فيقال : شراب مثل عين الديك ، ودماغه عجيب لوجع الكلية ، فإن كان بلغ من جهلك أنني لا آكله ، فإنّ عندنا من يأكله ، انظر أين هو ؟ قال : واللّه لا أدري أين رميت به ، قال : لكني واللّه أدري ، رميت به في بطنك . ولسهل هذا رسالة مدح فيها البخل وفضّله على السخاء ، ليرى في ذلك بلاغته ، وأهداها إلى الحسن بن سهل في وزارته للمأمون فوقع عليها : لقد مدحت ما ذمّه اللّه ، وحسنت ما قبّح ، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك ، وقد جعلنا ثوابك عليها قبول ما فضلت فيها ، ونتأدّب فيها بأدبك . ولم يعطه شيئا . وقيل : إنّ الذي أهدي إليه كتاب ألّفه ، مدح فيه البخل ، وذمّ الجود فوقّع عليه بما تقدم ، قال دعبل : [ البسيط ] صدّق أليته إن قال مجتهدا * لا والرغيف فذاك البرّ من قسمه فإن هممت به فافتك بخبزته * فإن موقعها من لحمه ودمه قد كان يعجبني لو أن غيرته * على جرادقة كانت على حرمه أبو نواس في البؤبؤ الزنديق : [ السريع ] لقيت في آل زياد فتى * يلقّب البؤبؤ حلو ظريف